.

النهاية

اللاحق

السابق

البداية

  الفهرست

الفصل الرابع
الحتمية التاريخية لطور الاستخلاف في القرآن والسنّة

 

تمهيد

قلنا أن الجنة والنار من الناحية الزمنية مرتبطتان بديمومة السموات والأرض كما نصت عليه آيات سورة هود.

(وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك) هود/108.

إن طور الاستخلاف كطورٍ متقدمٍ من حياة هذه الكائن على الأرض ليس سوى هذه المرحلة التي يتم فيها فتح أبواب الجنة وأبواب النار، فالأبواب في هذا المنهج هي منافذ لتحقيق النفوس لمآربها بعد تغيّر جذري وشامل للنظام الطبيعي كما سيأتيك في الفصل الخامس.

إن للنظام الطبيعي مغاليق تحتاج إلى فتح ولذلك فالجنة والنار باعتبارهما نوعين من (المعيشة) سعادة وشقاء فإنهما مرتبطان بوجود الأرض والسماء. فالسموات والأرض نفسها هي مساحة معروضة للامتلاك: (عَرضها السموات والأرض).

فالعقول القاصرة تستكثر انْ تكون لهذا الكائن مساحات شاسعة بمثل هذا المقدار المهول لأنها في الواقع لا تعلم شيئاً عن عظمة الله. "وما قدروا الله حق قدره": الزمر/ 67.

فهو قادر على خلق أكوان لا حَصَر لها بقوله (كن): "أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على ان يخلق مثلهم. يلي وهُوَ الخلاق العليم. إنما أمرهُ إذا أراد شيئاً ان يقول له كن فيكون" يس/81-82.

وهذه المساحات الشاسعة والملكوت العظيم لأجل ان يكون الثواب فوق تصور العقول والعقاب ينطوي على حسرة فوق تصوّر العقول. فلنكن واقعيين! أليس هذا هو بالفعل ما يلائم الإنسان الذي لا يشبع أبداً من الطرفين؟ إلا تراه لا يشبع إذا طغى ولو خضع له الناس كلهم حتى يلتذ بقتلهم ويتفنن في ذلك؟ ألا تراه لا يشبع ولو امتلك من المال أضعاف ما يحتاج لحياته القصيرة؟ ألا ترى بعض الأغنياء يجمع المال ويستمر في جمعه مع ان ما لديه يكفي مدينة كاملة؟ فلماذا يفعل ذلك وهو يعلم انه سيموت ويخلف المال وراءه؟ فهو يخاصم ويُحاجج ويُهمل نفسه ويستخدم القانون ورجالِه لتحصيل كمية من المال يضيفها إلى رصيده الذي لا يستطيع ولو تضاعف عُمره ألف مرّة أن يستهلَكّ جزءً منه.

لماذا يضحّي براحتهِ وصحته لأمر لا يزيده منفعةً كبيرةً؟ ان هذا الأمر هُوَ قضية نفسية لا عقلية .. فالإنسان مجبولٌ بطبعهِ على الامتلاك، وعلى الانتصار على الأشياء، وعلى تحقيق ما هُوَ صعب...

انه ليس بهذا الحُمق الذي نَتصوّره. لابد للإنسان من ان يحقق (انتصاراً) على الأشياء لابد له من أن يكون (شيئاً مذكوراً)...ان هذا الفعل هُوَ (عين) وجوده، وإذا لم يفعل ذلك ألغى وجَوده وشعَر انه بُحكم (الموتى)، وهُوَ شعورٌ طبيعي جداً. إذن فالحمق هنا ليس في الشعور نفسه بل بالطريقة التي يحقق بها هذا الشعور! فالشعور بالانتصار على الأشياء هُوَ شعور غريزي. فمادام الرجل (سيموت) حتماً ويخلفّ ما حققه فالنتيجة هي ذاتها كأنه في الواقع لم يحقق شيئاً، إذن فتحقيق هذا الشعور هُوَ الوهم، اذ يتوجب ان يفعل ذلك حينما يمتلك حياة أبدية لا موت فيها! وهنا يكمن الفرق بين الحل الإلهي والحل الذاتي.

فأن الله هُوَ الذي خلق الإنسان بهذه الطبيعة وهًوَ الذي غرز فيه هذه الرغبة فهو قد أوقعه بورطة وبلاء فلا خلاص له من الحماقات التي يرتكبها لأجله تحقيق هذه الرغبة إلاّ بالحلّ الطبيعي الذي جعله الله جزءًا من تصميم الوجود. ولذلك فحتمية الحلّ وظهور الحياة التي لا موت فيها وإحياء الموتى ليعيشوا بلا موت هُوَ جزءٌ من هذا التصميم الذي شحن به الوجود.

ما زال  القرآن يؤكد (كذلك يحُيي الله الموتى)، (كذلك النشور) بأخذ نماذج مرئية للإعادة والإحياء.

بيد ان الناس لا يفهمون أنهم يتصورون أن ما يقع مستقبلاً في المنظور الديني هُوَ إلغاء النظام الطبيعي وبعث الأرواح في عالم مجهول توزع فيه عليهم صحائف أعمالهم ثم يأخذون إلى الجنة والى النار!

نعم إن مثل هذا (الجمع).. يحصل ولكنه في حقبة متأخرة جداً بحيث ان النظام المسيطر عليه من قِبل المؤمنين لا تطاله  أعمال الخراب المذكورة في القرآن.

وحسب النص النبوي الذي لم يدرسه أحد للآن ان هذهِ الوقائع تحدث على (شرار الخلق).

فتحقيق الأنا أو الذات لوجودها هُوَ شعور عامٌ ولكن الاختلاف هُوَ في طريقه تحقيق هذهِ الذاتية لوجُودها - فالحلّ الإلهي يتضمن الوصول إلى هذا الهدف من خلال النقيض - أي إلغاء الذات مقَابل الله لا مقابل الأشياء فإلغاء الذات مقابل الله هُوَ ارتباط بالله يحقق ديمومة النصر والغلبة على الأشياء .

والحل الذاتي يتضمن الاعتماد على الذات لغلبة الأشياء - أنه يطرح كيان الذات باعتباره كياناً موجوداً مقابل الله ومن الطبيعي ان يفشل ويُهزم هزيمة نكراء لأن اقرب الأشياء سوف يتمكن من التغلبّ عليه باعتباره من الكائنات التي  خلقها الله لهذا الغرض، فقد شحنها بقوة ذاتية تعملُ بها عملها فهي تغلب من أراد ان يغلبها بقوته الذاتية وتنفعل لمن أراد ان يغلبها بقوة الله.

أن حتمية الطور المتقدم في حياة الإنسان الذي تظهر فيه هذه المعادلة بصورتها الجلية هي حتمية وجودية، بمعنى أنها في تصميم الوجود ولذلك تظهر هذه الحتمية في التعابير القرآنية والنبوية بطريقة لغوية خاصة يظهر من خلالها ارتباط هذا الطور بالعنصرين الزمان والمكان بحيث ان وجودهما هُو وجود هذا الطور وغيابه يعني غيابهما وبحيث ان التلاحم بين الزمان والمكان هُوَ النقطة التي لم يبدأ بها الخلق وحسب وإنما هي النقطة التي لأجلها خُلق الخلق وبها ينتهي أيضاً.

ليست حتمية المهدوية إذن الاّ حتمية الوجود نفسه فهو بغيرها عبث لا هدف من وراءه ذلك لأن الطور المهدوي هُوَ الطور الذي يتم فيع الافتراق الحقيقي بين الاتجاهين.

هُوَ الطور الذي يتم فيه تحقيق المشروع الإلهي والمشروع الذاتي معاً .. انه طور الحريّة التامّة للاختيار وهنا تقع الحسرة على أصحاب الأنا الذاتية ويتم تمييزهّم عن الآخرين لا من خلال فرز قسري أو بعلم خاص .. فيقال هذا مجرم وهذا بري!

بل من خلال تميز ذاتي خلال العمل والممارسة الحياتية العادية فمثلاً ترى المؤمن وقد إطاعته الكائنات وإذ عنت لأوامِره لامتلاكه جفرة التحكّم بالموجودات وترى المجُرمَ صاحب الأنا المتعالي على الله وقد وقع فريسةً للموجودات التي تعذبّه عذاباً لا قبل له به.

وقد تقول من أين جئت بهذه التصوّر العجيب عن الحياة الأخرى؟ أقول لأننا لم نكن نفهم اللغة التي كلمّنا بها الله ولم نفهم ما شرحه لنا الرسل والأنبياء (ص) ولم نحاول ان نفهم الأمر لأننا وقعنا ضحيةً لأولئك الذين هدّدهم الله بهذه العاقبة المزريّة فقاموا بتقديم الحلّ الإلهي لنا بطريقتهم وبما يلائم أطروحتهم. لقد فهمنا الحل الإلهي من خلال أعداء الله!.

ألا تلاحظ التعبير القرآني العجيب :

"وامتازوا اليومَ أيّها المجرمون"؟

فلاحظ الآن لفظ امتازوا وفكرّ ملياً في هذا اللفظ لتجد ان الامتياز ناشئ عنهم وبهم لا بقوة خارجية مجهولة نعم انها قوة خارجية (قوة الأشياء) - لكنها لم تظهر إلا بهم وعنهم وانعكاسا لفعلتهم.

هَلْ رأيت شخصاً يحترق بالنار ويَطلبُ طعاماً؟ هل رأيت بل هل تصدّق ان رجلاً كان يحترق بالنار وينادي طالباً شيئاً من الماء والطعام؟

هل رأيت أشخاصاً يحترقون بالنار وخلال ذلك يتشاجرون ويتعاركون ويتلاعنون فيلعن بعضهم بعضاً ويبرأ بعضهم من بعض؟

ستقول كلاّ هذا غير معقول فالذي يحترق بالنار هُوَ مشغول بمصيبته فأين هُوَ من التخاصم ومن الطعام والشراب! لكن ذلك هُوَ ما حكاه الله لنا في القرآن! وهنا سكت الاعتباط اللغوي عن مجازات القرآن فلم يُدخل هذهِ الموارد من ضمن المجازات اللغوية. لماذا؟ لأنّه قد أمّن الأمر من جانب آخر فهذا كله يقع في عالم غيبّي نجهلُ قوانينه وطبيعته!! لم يكن أحد قد ناقش الأمر، ذلك لان هناك بالمقابل حالة طبيعية فعند أهل الجنة طعام وشراب وزوجات وآرائك وأسرّة عليها يتكئون .. ولا تظهر حالة مناقضة للواقع عند أهل الجنة كما هي الحال عند أهل النار.

كل ذلك يدلّ على أننا ما فهمنا لغة القرآن وذهبنا في تصوراتنا إلى حيث لم يذهب النص القرآني، ولم نفهم من الألفاظ إلاّ اصطلاحاتنا الضيقة في المعاني والمفاهيم المتبادرة الساذجة من تلك الألفاظ. لنلاحظ حتمية الطهور المهدوي في عدد من ألفاظ النص القرآني من حيث كونها حتمية وحسب.

أما طبيعتها وعلاقاتها اللفظية فسوف نلاحظها في أحد الفصول اللاحقة.

2.   حتمية الطور المهدوي في بعض ألفاظ النص القرآني

1.    الحتّمية الكونية في لفظ الأَجلٍ

المورد الأول: قولَهُ تعالى: "أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق اللّهُ من شَيء وأنْ عسى أنْ يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعَده يؤمنون" الأعراف/185.

في هذا المورد ارتبط الأجل بالملكوت وبالسموات والأرض كما أرتبط بضرورة النظر إلى (شيءٍ ما) خلقه الله يمكن ان نفهم منه العلاقة بينه وبين أجلهم. وسوف نلاحظ في العلامات الكونية معنى هذهِ الإشارة إلى هذا الشيء السماوي.

المورد الثاني: "أو لم يروّا أنّ الله الذي خلق السموات والأرض قادرٌ على ان يخلق مثلهم وجعل لهم أجلاً لا رَيبَ فيه فأبى الظالمون الاّ كفورا" الإسراء/99.

لاحظ هنا علاقات النظام القرآني: القدرة على خلق مجموعة سموات وارض أخرى - (الملكوت)، الأجل المرتبط بالسموات والأرض، لاحظ أيضاً ان الظالمين (يؤخرون) هذا الأجل- لأنه اجل مسمّى بشروط لا محتوم من ناحية الزمان أي في يوم كذا في سنة كذا بل هُوَ مشروط ويتحقق عند توافر الشروط الخاصة به.

ولذلك قال بعدها:

( قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربّي إذن لا مسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورَاً). الإسراء/100.

وقد قلنا في الحل القصدي أنهم يخشون (الإنفاق) لا الفقر كما زعم أهل التفسير ليعطوا عذراً للظالمين فهم يكرهون الإنفاق لبخلهم ورغبتهم بالتمييّز وذلك بحرمان الآخرين من الخزائن، وهي ليست خزائنهم، فكيف ينفقون من خزانتهم الخاصة؟ يقول الله لو كانت مفاتيح هذا الملكوت بأيديهم لما أنفقوا منها فكيف تريد منهم ان يدعو الآخرين لامتلاكها!.

وهي إشارة إلى الجنات الموعودة في الطور المهدوي كما يدلّ عليه النظام. نعم من الأنصاف ان يساعدني القارئ الكريم فيحاول ان يتابع بنفسه العلاقات اللفظية الكثيرة والتي لا يمكنني ذكرها جميعا هنا.

الموارد الأخرى

أرتبط الأجل بموارد أخرى. فلكل أُمةٍ أجل لبعثها في الطور المهدوي، بينما البعث الكليّ عامٌ لكل الخلائق وهنا يتهاوى الاعتباط اللغوي في تفسيره لتلك الموارد فمن ذلك قوله تعالى:

"لكل أمةٍ اجلٌ فإذا جاء أجلهُم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون" يونس/ 10.

ولما كان ذلك مرتبطاً بخلق السموات والأرض فقد ذكرت الموارد الأخرى (الأجلَ) مقترناً بالخلق: " ما خلقنا السموات والأرض الاّ بالحقّ وأجلٍ مُسمّى" الأحقاف/3 وارتبط كذلك بموارد (العذاب) إذ ان الجنات يقابلها عذاب من أنواع مختلفة في هذا الطور.

ولذلك خلا الطور المهدوي من الاقتران بذكر (جهنم) لأنها في النظام القرآني من عذابات الحشر الكليّ العام بينما الطور المهدوي يتضمّن (نشوراً) وهُوَ بعث على صورة أفواج وأمُمُ لكلِّ أمةٍ أجل فنوع العذاب مُختلف.

ففي الطور المهدوي تحدث تصفيات الحساب ويأخذ كلُّ امرئٍ كامل فرصته لإثبات نواياه من خلال التعامل مع الموجودات.

فمن ذلك قوله تعالى:

" ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجلٌ مسمىً لجاءهم العذاب" العنكبوت/ 5.

أو كقوله تعالى:

" ولولا كلمة سبقت من ربك إلى اجلٍ مسمىً لقضي بينهم" الشورى/14.

وبصفة عامة فهناك شبكة من الألفاظ المرتبطة بالطور المهدوي قد اقترنت بلفظ (الأجل) يمكن من خلالها دراسة المراحل والتفريق بين نوعي الحشر.

2. الحتمية في لفظ "الإعادة" ومشتقاته:

العودة إلى الحياة يشكل ركيزة من ركائز الطور المهدوي ذلك لان التكذيب بالبعث الجماعي الكليّ ليس الاّ فرعاً على التكذيب بالعودة.

ولم يفرق العلماء بين الموارد لذلك انقسم أهل الإسلام إلى فئتين الأولى قالت ان المعاد جسماني والأخرى قالت ان المعاد روُحي فتبعث الأرواح دون الأجسام. وسبب ذلك هو القصور في فهم الألفاظ واعتباطية التفسير من جهة والجهل التام بالفرق بين المادي والروحي من جهة أخرى.

ففي واقع الأمر: هذا التفريق يخصّنا فقط، وعند الله الوجود واحد ذي طبيعة واحدة بأنظمة متعددة نعلم بعضها ونجهل أكثرها. وهُوَ مثل التفريق القديم لعلماء الأحياء والطبيعة بين ما هُوَ جماد وحَيّ. فوجدوا بعد ذلك (الفيروس) الذي يسلك سلوك الجمادّ وسلوك الحيّ.

فالأمر هنا كذلك الروحي والماديّ واحد. فالروُح ما هي الاّ قوة من قوى المادة والمادة ما هي الاّ مظهر من مظاهر الروح. ثم ان المسلمين أجمعوا (بالأكثرية) على ضلال من زعم ان الأموات يرجعون إلى (الدنيا).

والاعتباط افتعل هنا مشكلة لا وجود لها لتضليل الناس عن دينهم فأرجو الانتباه الشديد للشرح الآتي:

أوحى الاعتباط اللغوي إلى الناس ان (الدنيا) تعبير عن موقع جغرافي هُوَ هذا العالم الذي نعيش فيه. أما (الآخرة) فقد أوحى إلى انها عالم في موقع جغرافي آخر بعيد في السماء.

بينما التعبير القرآني (دنيا) و (آخرة) تعبيرات وصفية فالحياة الدنيا من الدنو أو التدني أي الحياة الواطئة والآخرة تعبير عن زمان أي حياة آخرة تأتي كوعدٍ إلهي على نفس الموقع.

الموقع إذن لا يتغير. وإنما يتم أحياء هذهِ الأرض بعد موتها:

"اعلموا ان الله يُحيي الأرضَ بعد موتها قد بينّا لكم الآيات لعلكم تعقلون" الحديد/ 17.

فالمعاندون والكارهون للوعد الإلهي قالوا إذن نجونا لأننا سنموت ولا نرى مُلك هؤلاء علينا ولا ندخل دولتهم لأنها في آخر الزمان ما دامت هي "الآخرة". فأشار الله على لسان رسلِه أنهم سيبعثون في هذا الطور ويلاقوا العذاب والهوان فأنكروا الإعادة إلى الحياة وقالوا:

"أإذا كنّا عظِاماً ورفاتاً أإنا لمبعوثون خلقاً جديدا" الإسراء/ 17.

وقالوا أيضاً:

"أئذا كناَّ تراباً وعظِاماً أننا لمبعوثون؟" المؤمنون/82.

وقالوا أيضاً:

"أئذا متنا وكنّا تراباً وعظِاماً أئّنا لمدينون"؟ الصافات/53 بمعنى مطلوب مّنا بعد موتنا وكوننا تراباً وعظاماً ان ندخل هذا الدين وندين به ونعمل لذلك قالوا (مدينون) ثم قال بعضهم لبعض:

"أ يعدكم أنكم إذا مِتم وكنتم تراباً وعظِاماً أنكّم مخرجون" المؤمنون/35.

تلك هي نفسها الإعادة إلى الحياة والخروج من القبور "مخرجون" التي سمَاهّا العلماء (الرجعة) وعدّوا من قالها أو ذكرها فهو زنديق وملحد!!!

وهذا صحيح جداً على رأيهم لأنك قد لا تعلم ان هؤلاء (العلماء) هُم أنفسهم الذين تتحدث عنهم الآيات المذكورة آنفاً أي أنهم هم المنكرون للرجوع والعودة والبعث وقد تشكل علينا بسؤال آخر:

تقول ما ينفعهم إنكار هذا البعث والإقرار بالبعث الكليّ ما بعد القيامة؟ وما هي غاية الاعتباط من ذلك وما الفائدة التي يجنيها إذ الواجب أمّا إنكار البعث بجميع أطواره أو الاعتراف به بجميع أطواره!

وهل أنت بمثل الاعتباط في علم النفس والاجتماع؟ ان الاعتباط هُوَ اعلم خلق الله ماعدا الأنبياء (ص) بعلم النفس والاجتماع.

ذلك لان الإقرار بوقوع (بعث) جمعي للخلائق في موقع جغرافي آخر (في السماء) لا يستلزم سوى انتظار ان يقع ذلك، بأمر الله لأنه يتضمّن إلغاء النظام الكوني وإعادتِه من حيث بدأ.

والعقل يرفض التصديق بإلغاء هذا الكون هكذا فجأة وإذن فلا شيء سوى حقب ودَهُور تستمر على الكون قبل الوصول إلى هذهِ النهاية المؤلمِة.

أمّا الإقرار بوقوع (الدين) في نفس الموضع (الأرض) ودخولها في طور آخر للاستخلاف فانه يوحي مباشرة بضرورة العمل للإسراع بالوصول لهذا الطور وتحقيق الوعد الإلهي. الفرق بين الأمرين فرق مَهول انه الفرق بين الوجود والعدم بين الهدف والعبث بين الوعد والوهم من الناحية النفسية. انه مثل قول القائل لرجل عنده كوخ: إذا عملتَ كما أريد منك أعطيتك قصراً وبستاناً وأمرت لك بكل ما تطلب وتحصل على ذلك وأنت شاب في مقتبل العُمر.

وقوله مرة أخرى: إذا عملت كما أريد منك وبلغت من الكبر عتياً ولم تستطيعْ الحركة أمرت لك بكذا وكذا .. وهُوَ مثال سيئ. فالاعتباط يدرك جيداً ان مفتاح عالم الغيب هُوَ عالم الشهادة فإذا أنكر الناس بما يقع في عالم الشهادة فلن ينفعهم إيمانهم بعالم الغيب شيئا لبلوغ ما يكون في عالم الشهادة.

ومن هنا فالمثال الذي ضربته عن قول الرجل لصاحب الكوخ سّيئ جداً ولا يطابق ما نتحدث عنه بنفس النسبة بين اللامتناهي والمحدود بين الكوخ وملكوت السموات والأرض. ونجد مثل هذا التفريق على أشده في القرآن إذ استخدم لفظي (التكذيب) (والتصديق) للوعد المهدوي في عالم الشهادة ولفظي الإيمان والكفر للوعد النهائي في عالم الغيب وتفصيل ذلك يأتيك في الفصل السابع من هذا الكتاب.

لنلاحظ الآن كيف يّرد القرآن على المنكرين لهذهِ الإعادة إلى الحياة في الأرض: لفظ الإعادة:

أ. منها خلقناكم وفيها نُعيدكم ومنها نخرجكم تارةً أخرى" طه/ 55.

لاحظ ان الخلق من الأرض. ثم هناك إعادة فيها أي في الأرض نفسها وعلى نفس الموقع.

و(منها نخرجكم تارةً أخرى).

فهذه مرحلتان للإخراج ماعدا الخلق الأول لان المخاطبين هنا يموتون مرتين بخلاف المؤمنين الذين يموتون مرة واحدة. فكيف قال علماء الإسلام ان من قال بعودة الموتى في الأرض فهو زنديق؟

ب. وقالوا أئذا متنا وكنّا عظِاماً ورفاتاً أئذّا لمبعوثون خلقاً جديداً. قل كونوا حجارةً أو حديداً أو شيئاً مما يكبرُ في صُدوركم فسيقولون من يُعيدنا؟ قل الذي فطركم أول مرّة.

فسينغضون إليك رُؤوسهم ويقولون متى هُوَ قلْ عسى أنْ يكون قريبا" الإسراء/50-52.

ج‍."الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون" الروم/11. لاحظ الإعادة والرجوع المنفصلة بأداة التراخي (ثم).

والاعتباط لا يستطيع مطلقاً أن يفسر هذا التراخي ولا يقدر أن يوضح الفرق بين الإعادة والرجوع وهو ينكر المرحلة الأولى (الطور المهدّوي) أو طور الاستخلاف.

هنا يرتكس الاعتباط إلى أذنيه بالوحل والخذلان كما يرتكس في أكثر من سبعمائة آية قرآنية مبيّنة في تحديد هذين الطورين.

د. الموارد الأخرى وهي كثيرة ومنها عامة مثل:

"أولم يروا كيف يبدي الله الخلق ثم يعيده" العنكبوت/19

لاحظ اتفاق الآية مع ما سبقها في لفظ (أولم يروا).

3. الحتمية في لفظ (الوَعد):

أ. الارتباط (بالآخرة):

"أسكنوا الأرضَ فإذا جاءَ وَعدُ الآخرةِ جئنا بكم لَفيفا". الإسراء/104

والخطاب لبني إسرائيل بعد فساد المرحلة الأولى.

نلاحظ في النبوي أن المهدي (ع) يدخل بيت المقدس وتحاربه بنو إسرائيل فيسلم منهم (سبعون ألفاً) كما ورد في الملاحم.

وإذن فيكونون مجتمعين (لفيفاً) قبيل وعد الآخرة على مقربة من بيت المقدس أو فيه.

وقد ظهر ذلك في الآية (7) من الإسراء:

"فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كمادخلوه أول مرة وليتبرّوا ما علوا تتبيرا"

ب. "وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأنّ الساعة لا ريب فيها" الكهف/21.

هنا تغاير بين الوعد والحق والساعة سنفصله في موضعه، وهو كما ترى مرتبط بأصحاب الكهف والرقيم السبعة وفي فتن السليلي وعلامات المهدي في السنة أنهم لبثوا في الكهف ولا يخرجون منه حتى يخرج المهدي (ع) وأنهم من أعوانه. ووعد الله هو مرحلة سابقة على الساعة.

ج. اقتران (الوعد) (بالإعادة):

"أئذا كنا ترابًا وآباؤنا أئنّا لمخرجون. لقد وُعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين..." ثم قال:

"ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين. قل عسى أن يكونوا قد ردف لكم بعض الذي تستعجلون" النمل/67-72.

4. الحتمية في لفظ (الرجوع) ومشتقاته:

أ. "فلينظر الإنسان ممَّ خُلق. خُلق من ماء دافق. يخرج من بين الصُلْبِ والترائب. إنه على رجعه لقادر". الطارق/5-8.

نلاحظ أن إرجاعه يتم بالهيئة التي خلق بها أي الجسم الماديّ لقوله ممَّ خلق؟ خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب. فهو إذن قادر على رجعه بنفس الصورة.

ب. "متاع في الدُّنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد" يونس/70.

نلاحظ أن العذاب الشديد هو بعد المرجع بتراخ عن طريق الأداة (ثم) فهي مرحلتان.

مرحلة الرجوع وفيها عذاب من نوع آخر والعذاب الشديد هو في أواخر الطور المهدوي حسب ما يكشفه النظام القرآني وهو مختلف عن (أشد العذاب) الذي هو وصف لعذاب جهنم (أي مرحلة ما بعد القيامة).

ويدل على أن (العذاب الشديد) هو في الفترة الواقعة بين أواخر الطور المهدوي (والذي يستغرق عمر الكون المتبقي من أجله المضروب له) وبين يوم القيامة أي سابقاً على يوم  القيامة آية الإسراء:

"وإنْ من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابًا شديدًا كان ذلك في الكتاب مسطورا" الإسراء/17. وهو أيضاً مرتبط بالدنيا والآخرة في النظام القرآني:

"فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابًا شديدًا وما لهم من ناصرين" آل عمران/56.

وقد لاحظنا في النظام القرآني عموماً ان (انتفاء) الناصرين مخصوصٌ بوقائع الطور المهدوي لبقاء العلاقات الاجتماعية إياها والنظام الحياتي المعاش بينما لا يذكر مثل هذا النفي لحوادث ما بعد القيامة اذ من المفروغ منه ان (جهنم) تخلو من أنصار أو أعوان للذين كفروا فانتبه لذلك.

5. الحتّمية في ألفاظ  (الفتح) و (النصر)

لاحظنا مثل هذهِ الموارد سابقاً في آيتي الفتح وسورة النصر كأمثلة على الألفاظ المرتبطة بالطور المهدّوي.

6.  الحتمية في لفظ (العاقبة)

ارتبطت العاقبة بالمتقين في الموارد القرآنية. وهذا يعني ان (التقوى) عاملة في تلك المرحلة. لان الاعتباط قال بزوال التكليف في الجنّة اذ لم يفرق بين الجنتين. ورغم ان (فيها جنتان ... ذواتا أفنان .... ومن دونهما جنتان مدهامتان) وهذه الأربع كلها "لمن خاف مقامَ ربّه. زعم انها جنة واحدة وان هذا من المجاز ومن باب "ان يكون اللفظ مثنى والمراد واحد"!! تباً للاعتباط الذي هٌوَ صنوٌ للكفر إذا لم يكن كفراً على هذا التخريج التافه!

أو لا يرى الاعتباط انه يقول جنتان فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ أو لا يرى ان الصورة على صيغة المثنى بما يؤدي إلى التقابل التام بين الجنان؟

من الضروري ملاحظة اقتران العاقبة بالتقوى لبقاء التكليف في (المدهامتين) وتغيّرها النسبي في (ذواتي الأفنان) كما سنلاحظه مفصلاً عند عرض الفوارق الدقيقة بين جنات الطور المهدوي وجنات السماء بعد القيامة هذهِ الموارد التي اقترنت فيها العاقبة بالتقوى:

"ان الأرض للهِ يورثها من يشاء من عبادة والعاقبة للمتقين" الأعراف/ 128.

فلاحظ بنفسك هذهِ الآية، ولاحظ كيف ارتبط اللفظان بوراثة الأرض - لاّنَ الاعتباط يزعم ان الجنة بعد القيامة والأرض عندئذ تدّك تسّجر بحُورها "بينما الآية تتحدث عن وراثة الأرض وان عاقبة الأمر هُوَ للمتقين فلا يقدر الاعتباط على الجمعَ بين الآيات في أيام الله بتفسير موحّد.

7. الحتمية في لفظ (الاستخلاف)

اقترن الاستخلاف كلفظ بالوعد من جهة، وبالأرض من جهة أخرى وبالدّين وبالأمن وبتبديل الخوف إلى أمن وبزوال الشرك في آية محكمة صفعت الاعتباط اللغوي والتفسيري على وجهة وإدارات رأسَه إلى قفاه وهي قوله تعالى:

"وَعَد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليسَتخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدّلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون" النور/ 55.

 لذلك زعَم الاعتباط ان ما في الآية قد وقع على عَهدِ الخلفاء الأربعة فربّما ظنناّ الاعتباط لغبائهِ الشديد أننا أغبياء مثله لنفهم ان الجزيرة العربية هي (الأرض) وانّ الإقامة الجبريّة على الصحابة والتابعين هي (الأمن) وانّ حروب علي ومعاوية وعلي وعائشة وأهل مصر وعثمان وأهل القبلة والحسين بن علي هي الديّن (الذي ارتضى لهم) وان الاغتيالات السريّة هي العبادة التي لا شرك فيها!

3. حتمية الطور المهدوي في بعض ألفاظ النص النبوي

الأول: الحتمية في صيغتي (لَو لم) و (ألاّ) مع (حتى):

الترمذي بسندهِ عن النبي (ص) قال:

"لو لم يبقَ من الدنيا الا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يلي رجل من أهلِ بيتي يواطئ اسمه إسمي".

الترمذي ج 2/46. كنز العمال على هامش مسند أحمد بن حنبل ج 6/30. مسند أحمد ج 1/376.

في فصل آت ستلاحظ ترتيباً جديداً لأيام الله المنتظرة على المنهج اللفظي.

والحديث الشريف صريحُ فاّن الدنيا لو لم يبق منها الا يوم واحد (من أيامنا) هذهِ لا أيام الله (لطوّلهِ) الله حتى يحقق هذا الوعد في ولاية رجل من أهل بيته يواطئ اسمه اسم النبي (ص).

تظهر هنا حتمية للوعد لم نلاحظها مطلقاً في أي نص نبوي ما عدا النصوص المتعلقة بهذا الوعد.

وسبب ذلك واضح! إذا لم يتحقق هذا الوعد فلا دين حقيقي ولا هدف من وراء الخلق.

الثاني: الحتمية في صيغة (لا) و (حتى) مع (ثم):

عن أبي سعيد الخدري (رض) قال رسول الله:

"لا تقوم الساعة حتى تملأ الأرض ظلماً وجوراً وعدواناً ثم يخرج من أهل بيتي من يملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وعدواناً"

المستدرك على الصحيحين ج 4/ 557.

نلاحظ ان الكلام يدور حول الأرض كلها لا عن بقعة فيها.

الثالث: الحتمية في صيغة (لا) و (حتى)

أ. عن النبي (ص) قال:

"لا تقوم الساعة حتى يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه إسمي" مسند احمد ج 1/ 376. 

ب. عن النبي (ص) قال:

"لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه إسمي" الترمذي ج 2/4446.

ج. عن النبي قال (ص):

" لا تنقضي الأيام ولا يذهب الدهر حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه إسمي".

نلاحظ في الأحاديث النبوية الثلاثة هذهِ الحتمية التاريخية المرتبطة بالزمان (لا تقوم الساعة) و (لا تذهب الدنيا) ولا تنقضي (الأيام) و (لا يذهب الدهر).

هذهِ التعابير الأربعة التي تؤكد حتمية ولاية هذا الرجل الذي يملك (الأرض) أو (العرب) أو بلا تحديد من اجل ان يملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.

وذلك لاّن الله لابد ان يحقق فكرته في ارض الواقع ولابد ان يُرى آياته ودلائلة للعالم، فإنكار هذا الطور هُوَ إنكار للحكمة الإلهية انه إنكار للهدف من الخلق.

الرابع: الحتمية في صيغة (لو لم) مع اللام

أبو داود: بسندهِ عن النبي (ص) قال:

"لو لم يبق من الدهر الا يوم لبعث الله رجلاً من اهل بيتي يملأها عدلاً كما ملئت جوراً" صحيح أبي داود ج 2/207 ط مصر - التازية ينابيع المودة/432. نور الأبصار ب 2/154

نلاحظ ان لفظ (الدهر) لفظ قرآني فالنبي (ص) لا يستعمل الاّ ألفاظ القرآن في نسق كلامه.

وهُوَ ما نلاحظه في سورة (الدهر) التي تتحدث عن خصائص الطور المهدوي وتحديداً عن جناته وعذابه. يأتي تفصيل ذلك في موضعه.

كما نلاحظ تكراراً لنَسب الرجل الملقّب بالمهدي (ع). حيث يؤكد انه من (أهلي) أو (أهل بيتي). وفي أحاديث كثيرة أخرى انه يشبه النبي (سمتاً) أو (خلقاً) و (خلقاً).

بل ذهب نصٌّ إماميّ المصدر إلى ان درع النبي (ص) التي تدعى (السابغة) - وهُوَ تعبير قرآني عن دروع داوود (ع) - لا يمكن ان يرتديها سواه من حيث تشابه صدريهما.

ان علاقة الأمر الإلهي والتخطيط السماوي للعالم بالأشخاص وبأسماء ذرية معّينة هُوَ أمر يطول بيانه بدرجة كبيرة. فإذا أعجبك ملاحظة هذهِ العلاقة - وهي هامة جداً - فاقرأ كتابنا "اصل الخلق بين ظهور (الأنا) وبين الولاية والتوحيد" تعثر على تفسير منطقي لأول مرة لمسألة السجود لآدم (ع) وبالتالي اختيار الله لأشخاص معينين يبتلي بهم الخلق والملائكة على هذا المنوال.

الخامِس: الحتمية في تسميته بالمَهدي على طريقة الخبرَ

أ. الجامع بسنده عن النبي (ص) قال:

"المهدي رجل من ولِدي وجَهه كالكوكب الدرّي" كنز العمال ج 6/30، الجامع الصغير/ح9245 ينابيع المودة/ 188.

ان أسلوب الخبر إذا ابتدأ بالاسم أشار إلى أمر محتوم لأنه يقوم بتعريف (الرجل - المهدي). أما كونه حقيقة فان النص يفيد انها حقيقة مفروغ منها فالغاية من النص التعريف فقط. من هُوَ المهدي؟ المهدي رجلَ ...الخ.

لذلك تضمّن النص صفة للوجه. هذهَ الصفة مأخوذة من النص القرآني وتحديداً من آية النور.

قلنا هناك في كتاب (أصل الخلق) حيث عالجنا ألفاظ هذهِ الآية لفظة لفظة ومفردة مفردة، قلنا ان الأنوار المتكاتفة في الآية موجودة (في بيوت) - حيث ابتدأت الآية التالية لها بحرف جر.

وعبثاً يحاول الاعتباط صرف البيوت إلى (المساجد) عن طريق الترادف الذي أبطلناه في (اللغة الموحدة) والنتيجة المتحصلة انه رجل مخصوص من مجموعة (رجال) حيث أكدت الآية نفسها هذا اللفظ وعندئذ تكون للبيوت دلالة مختلفة عن المساجد لأن كلاً منهما قد استعمله القرآن في موضعه.

النتيجة ان الاعتباط يفعل مثل ما فعل إبليس إذ زعَم انه من نار وآدم من طين. وتظهر الأكذوبة إذا عرفنا ان النار من الطين أيضا لأن منشأها الوقود النباتي الأصل الذي ينمو من الطين.

ب. أبو داود بسندهِ عن النبي (ص) قال:

"المهدي مني اجلي الجبهة اقني الأنف يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً" وفي لفظ آخر "جوراً وظلماً".

نلاحظ كما لاحظنا في الحديث السابق ان صيغة الخبر هي للتعريف. لذلك تضمن الحديث العلامات الفارقة للشخصّية. ان تحديد علامات فارقة للمهدي (ع) هي قضية مهمة لانها مرتبطة لمحاولات انتحال هذهِ الشخصية وقد حدث في التاريخ شيء مشابه.

وهذهِ التحوطات ليست للمهدي نفسه أو حمايةً له وإنما حماية للسذج من الناس الذين قد يضحّوا بحياتهم وأموالهم للمدعّين والمنتحلين.

وقد اتخذ المسيح (ع) نفس التحوطات لأنه ينزل مع المهدي وخشي من انتحال شخصيته كما سنلاحظه في موضعه في آخر فصل منّ هذا الكتاب.

ج. ابن ماجة بسندهِ عن النبي (ص) قال:

"المهَديّ مّنا أهل البيت يُصلحه الله في ليلة" (صحيح ابن ماجة ج 2 خروج المهدي مُنتحب الكنز ج6/30، الجامع الصغير/ ح 9243 جواهر العقدين/ 432. الصواعق - الآية 12.

هذا النص على قصره يتضمن أشياء كثيرة وعلاقات لفظية عديدة مع النظام القرآني يصعب ذكر تفاصيلها فاكتفي بالتنويه عنها:

أولا:  إن صيغة الابتداء بالأسم يفيد التعريف به امّا هُوَ فكما قلنا ان النص يذكره كما لو كان حقيقة مفروغ من صحتها.

ثانياً:  ان التسمية تتضمن (اللقب) دوماً ولا تصرح بالأسم الفعلي واللقب مشتق من الهدى أو الهداية.

وهُوَ لقب مرتبط بالفتن التي سببها الظلال والتي تؤدي إلى امتلاء الأرض ظلماً وجوراً.

الحتمية هنا في التقابل الذي هُوَ ضرورة وجودية مادام هناك نهار فهناك ليل، مادام هناك نور فهناك ظلمات .. ومادام هناك ظلال فلابد من وجود هدى يقابله. المهدّي: يمكن ان تقرأها كصفة بالفتح وهي اسم مفعول. بمعنى انه لا يحتاج إلى هداية من أحد فهو مَهدي من قبل الله فهداه ذاتي إذن فهو فوق الناس جميعاً.

ثالثا:  يُصلحه الله: عبارة تفيد ان أمَره مشكل جداً فهو في صراع مع العالم كله. لأنه مهتدي والعالم في ظلال. الظلال شئ عام جداً، ان الظلال هُوَ صنوٌ للحيرة وانغلاق الأبواب بما في ذلك أبواب المعرفة.

هذا الصراع المستديم بين المهدي والعالم ينبئ من طرف آخر إلى انه رجل مديد العُمر.

من المحتمل ان عمره هُوَ عُمر الكون أو ان عُمرهَ يقابل عُمرَ الشخص المقابل في الظلال (إبليس) وربمّا عُمره يوازي عُمرَ الانحراف في آخر الرسالات.

والاحتمال الأخير هُوَ الأكيد والأصّح لأنه يقول (من ولدي) أو من (ذريتي) أو من (ولد فاطمة) أو (منا أهل البيت) كما هُوَ في هذا النص.

رابعا: قوله (ص) يُصلحه الله في ليلة

ان التنكير لمفردة (ليلة) ظاهر جداً - حتى وفق البلاغة السابقة على الحل القصدي - ظاهر في التعظيم لانّه ترك أضافتها لشيء وترك تعريفها! كما لو كانت ليلة معلومة اصلاً.

لقد وجدنا هذهِ الليلة في النظام القرآني قبل ان ندرس النصوص النبويّة. لقد وجدنا (ليلة) مَهولة في شأنها القرآني هي الفاصلة بين النظام الطبيعي القديم (الحالي) وبين النظام الجديد المهدوي.

في هذه الليلة بالذات يحدث تغيّر كوني شامل يحوّل الكرة الأرضية إلى واقع جديد.

تفاصيل ذلك سنلاحظها في العلامات الكونية للطور المهدوي في القرآن.

السادس: الحتمية في صيغة أبشّركم) أو (أبشروا)

مسند أحمد بسنده عن أبي سعيد الخدري قال رسول الله (ص): "أبشركم بالمهدي يبعث في أمتي على اختلاف من الناس وزلازل فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض يقسم المال صحاحاً. فقال له رجل ما صحاحاً قال: بالسّوية بين الناس"

ان هذه الألفاظ النبوية قد .. وردت مقترنة في القرآن بالتبشير بالطور المهدوي سواء عذابه أو جناته من حيث كونها واقعة حتماً في عالمنا المنظور.

فالبشارة مرتبطة بالمكان ولكنها مستقبلية في الزمان. فحينما تبشرني بشيء فأني أشعر بتغير موضوعي مستقبلاً بالنسبة لأهدافي الحالّية.

وأنت تعلم ان من ألقاب النبي (ص) البشير. لذلك كانت البشائر عامّة للطرفين، فمن جهة المؤمنين ترى قوله تعالى:

"وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات ان لهم جنات تجري من تحتها الأنهار" البقرة/ 25.

نلاحظ صيغة الجمع (جنات) والتي تدل على تخبّط الاعتباط حينما زعَم انها في المثنى (جنتان) يراد به المفرد بينما المجموع أربع جنات (ومن دونهما جنتان) ولذلك صيغت بصيغة الجمع (جنات) في الموارد الأخرى لأنها أكثر من ثلاثة.

ومن جهة الكفار والمنافقين قال:

"بشرْ المنافقين بان لهم عذاباً اليماً" النساء/ 138.

"وبشِّرْ الذين كفروا بعذاب اليم" التوبة/3.

وجدنا في النظام القرآني ان (العذاب الأليم) وهو أحد ثمانية وثلاثين نوعاً من العذاب (المختلف الألفاظ) مرتبط قرآنياً بالطور المهدوي بالاقتران البسيط، فهو أول أنواع عذاب هذا الطور ولذلك لا تعثر على أي اقتران لفظي بين (عذاب جهنم) مثلا وبين لفظ (البشارة) بالرغم من تعدد مواردهما.

ان الحديث عن النظام القرآني وعلاقته بالسنة امر متشعب ومعقدّ للغاية حتى في الموضوع الجزئي الواحد وما نذكره هُوَ قطرة من هذا البحر المتلاطم الأمواج.

والخلاصة ان قول النبي (ص) (ابشركم بالمهدّي) هُوَ جزءٌ لا يتجزأ من بشارته وأنه في حقيقة الأمر رسالته التي بعث بها. ان التبشير بالمهدي يتضمن الإنذار بعذاب هذا الطور أيضاً فقوله (ابشركم بالمهدي) هُوَ تنفيذ للأمر الإلهي الوارد بالتبشير ولكن من خلال اسم قائد هذا الطور وهُوَ (المهدّي).

لذلك تعثر على العلاقات العددية الكامنة في النص القرآني إذ ذكر البخاري وغيره عن النبي (ص) ان الخلفاء من أمتِه (اثنا عشر خليفة هادون مهديون).(1)

فأولهم هُوَ المهديّ الموعود. وكلهم هادون مهديّون، لأن هذا الطور الطويل الأمد جداً يحتاج إلى اكثر من قائد حسب قاعدة (سبق القيادة) التي ذكرناها. فمن هنا نلاحظ ان موارد التبشير بصيغة الأمر تسعة عشر مورداً.

وهذا يمثل (عُمرَ) القائد المهديّ على بعض المرويات بيد أنه بالنظام الكوني للطور المهدوي وليس بحساباتنا الحالية. ومن هذا العدد اثنا عشر مورداً خاصاً ببشارة المؤمنين وهُوَ يساوي عدد خلفاء هذا الطور بل يّدل ايضاً على التسلسل الزمني للقائد.

هذهِ هي الموارد الأثنى عشر وحسَب تسلسل سُور المصحف:

       1.      (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات ان لهم جنات) البقرة/ 25.

       2.      (ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين) البقرة/ 155.

       3.      (واعلموا انكم ملاقوه وبشر المؤمنين) البقرة/ 223.

       4.      (والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين) التوبة/ 112.

       5.      (وبشر الذين آمنوا ان لهم قدم صدقٍ عند ربهم) يونس/ 2.

       6.      (واقيموا الصلاة وبشر المؤمنين) يونس/ 87.

       7.      (فإلهكم إله واحد فله اسلموا وبشر المخبتين) الحج/ 34.

       8.      (لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين) الحج/37.

       9.      (وبشر المؤمنين بان لهم فضلاً كبيراً) الأحزاب/ 47.

       10.    (وأنابوا إلى الله فلهم البشرى فبشرْ عباد) الزمر/ 17.

       11.    (وخشي الرحمن بالغيب فبشرّه بمغفرةٍ واجرٍ كريم) يس/11.

       12.    (وأخرى تحبونها نصرٌ من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين) الصف/ 13.

معالم النظام القرآني في الموارد الأثنى عشر

اولاً:  ان المجموعات المذكورة سبعة مجموعات وهي عدد ايام الخلق الكلية مع يوم القيامة، وفي الحديث الشريف (الدنيا جمعة من جُمع الآخرة) أي أسبوع.      

المجموعات هي: (الذين آمنوا) (المؤمنين)، (المخبتين)، (المحسنين)، (العباد)، (الصابرين)، (المفرد).

ثانياً:  موارد المؤمنين حسب ترتيب المصحف وهي الموارد (3-4-6-9-12). وعددها يساوي عدد ألفاظ (النور) في آية المشكاة.

ثالثاً:  المورد الختامي الثاني عشر تضمن اقترانا مميزاً عن بقية الموارد مع لفظي (النصر) و (الفتح): (نصرٌ من الله وفتح قريب).

وهُوَ المورد المقترن بآيات النصر والفتح وهُوَ المورد الخاص بالقائد الموعود فهو آخرهم في الوجود وأولهم في الظهور، ولذلك جاء آخر تلك الموارد حسب ترتيب المصحف.

ومعلوم ان مثل هذا النظام المحكم عسيرٌ على المؤلف في إيضاح خطوطه فضلاً عن كشف كامل مراميه.

رابعاً: ان المورد الأول خاص بالنبي (ص) على هذا الترتيب لذلك تضمّن (الذين آمنوا).

فكأن المورد اللاحق رقم (2) ينبئ عن ابتداء الفتنة بعد رحيله (ص) ونزول البلاء الذي يتضمن (الجوع والخوف ونقص من الأموال والأنفس والثمرات) - فكانت البشارة (للصابرين) المنتظرين تتحقق الوعد الإلهي.

وفي نص عن جعفر بن محمد (ع) ان هذهِ الآية تبشر بظهور المهدي (ع) وهي تبشّر الصابرين حيث يشتد البلاء وتتفاقم الفتن والظواهر المذكورة فتمتلئ الأرض ظلماً وجوراً.

وقبل الكشف عن النظام القرآني والاقتران اللفظي كان يصعب جداً حتى على أتباع جعفر بن محمد (ع) فهم أو تصديق هذا التفسير.

بينما اظهر الاقتران اللفظي للنظام القرآني المحكم ان هذا التفسير هُوَ الوحيد الصحيح وان غيره هُوَ تفسير اعتباطي محض.

وبإمكانك السير قدماً في تحليل واستخراج توافقات أخرى من هذه الموارد وغيرها.

 خاتمة الفَصْل

تركنا الفاظاً أخرى تؤكد حتمية هذا الطور اعتماداً على ذكاءكم وقدرتكم على الربط والتحليل فمن ذلك مثلاً قوله (ص): "لتملأن الأرض ظلماً وجوراً وعدواناً ... ثم ليخرجّن رجل من أهل بيتي. واللام في ابتداء اللفظ والنون تفيد التحقيق الحتمي لوقوع الحدث لغوياً وسماه اهل اللغة (التوكيد)، لكنه هنا (حتم) لأنه صادر عن النبي (ص). أو كقوله "كيف تهلك امّة أنا في أولها وعيسى في آخرها والمهدي في وسطها"؟ وهذهِ العبارات حسب نظام الحديث الشريف ونظام القرآن انما هي تنفيذ لأوامر رسالية على طريقة القرآن (قل يوم الفتح....) (قل جاء الحق) ....الخ وهي تتضّمن رداَ على أولئك الذين ينتظرون الإجهاز على رسالته وإفراغها من محتواها العالمي والشمولي، فجاء الردّ ليؤكد حتمية ظهور دينه على كافة الأديان على يد المهدي (ع).


(1) صحيح البخاري/4/175/ ط مصر. الترمذي ج2/45 ط دلهي صحيح مسلم ج 2 ق/191 - ط مصر سنة 1348. ابو داود كتاب المهدي/ 207.

 

.

النهاية

اللاحق

السابق

البداية

  الفهرست